يُعرَف الترتيل الغريغوري بأنه غناء أحادي الصوت مرتبط بنصوص الكتاب المقدّس في الليتورجيا الرومانية، وقد تبلور في أوروبا الغربية بين القرنين الثامن والتاسع قبل أن يشهد تراجعًا ثم نهضة علمية وفنية في القرن التاسع عشر. اليوم، يعيش هذا التراث عبر جوقات رجال ونساء على قارات عدّة، ويستمر في التأثير على الموسيقى الروحية والمعاصرة على السواء.
من الناحية التاريخية، وُلد الترتيل الغريغوري في سياق توحيد ديني-سياسي جمع بين روما والغال زمن الدولة الكارولنجية. هذا التقاطع بين التقليد الروماني القديم والغاليكي أنتج لغة موسيقية جديدة سعت إلى توحيد الإمبراطورية عبر نصوص القداس والأعياد. ومع أن نسبته إلى البابا غريغوريوس الكبير تعود أساسًا إلى تثبيته للنصوص الليتورجية، فإن صوغ الألحان تطوّر لاحقًا عبر مدارس ترسّخ فيها التلقّي الشفهي أولًا ثم التدوين بالنُّيوما، قبل انتقاله إلى السطور الأربع التي نعرفها اليوم. بهذه الرحلة، لا يكون الغناء الأحادي مجرد أثر قديم، بل هو نقطة الأصل التي تفرّعت عنها أنساق التدوين الموسيقي في الغرب.
خصائص هذا الفن تنبع من البساطة المنضبطة: غناء أحادي متماسك يرتكز إلى المزامير بالدرجة الأولى، ويستعمل الميليسمات التي تمتد على مقطع واحد لتفتح مجال التأمل الصوتي. لا إيقاعًا مُلزِمًا ولا قيودًا وزنية صارمة؛ الزمن هنا مرِنٌ يتسع للمعنى، والنبر يتبع الكلمة ومعانيها. هذه الحرية الإيقاعية تمنح النص موقع الصدارة وتحوّل الصوت إلى حاملٍ للمعنى، فتُصبح الجملة الموسيقية امتدادًا لفهمٍ روحي للنص وليس إطارًا يقصّ جناحيه.
عرف الترتيل الغريغوري مراحل خسوف حين ازدهرت البوليفونية مع مدرسة نوتردام ثم مع بالسترينا وسواهما. ومع ذلك، حفظت الأديرة خيوطه الدقيقة حتى انطلقت حركة استعادة كبرى في القرن التاسع عشر، كان لدير سولِسم (Solesmes) دور ريادي فيها عبر تحقيق المخطوطات وقراءة النُّمُط (النُّيوما) وفهم الأداء الدقيق للخطوط اللحنية. هذه العودة إلى الأصول لم تكن حنينًا شكليًا، بل بحثًا عن ديناميّة الصوت وخفته واتجاهه الطبيعي نحو العلو، بعيدًا عن أثقال الأداء التي تراكمت عبر القرون.
على المستوى الجمالي، يتّسم الترتيل الغريغوري بما يمكن وصفه بحالة التعليق: الجمل تميل إلى العلو وتستقر فيه، كأنها مُعلّقة بين الأرض والسماء. هذا التوجّه يجعل الغناء خفيفًا وإنسانيًا في آنٍ واحد، ويُعيد المُصغي إلى سكينته الداخلية بعد انتهاء الرنين في فضاء المعابد، ولا سيما في العمارة الرومانية التي صيغت بإحساس صوتي متكامل مع الفضاء.
لم يكن الغريغوري يومًا شأنًا ذكوريًا خالصًا. تاريخ الأديرة النسائية شاهدٌ على حضور أصوات النساء في هذا التراث، وما تزال الجوقات النسائية اليوم تقدّم قراءة مختلفة تُبرز شفافية الطبقات العالية وتحقق توازنًا مع غِلظة الأصوات المنخفضة لدى الرجال. عندما تتجاوب جوقتان، واحدة رجالية وأخرى نسائية، تتجلى فكرة الحوار الكنسي-الشعري وتظهر قيمة الإصغاء المتبادل في الصلوات المزمورية.
تتسع دائرة هذا الفن إلى ما وراء حدود الإيمان الشخصي. فالمستمع غير المؤمن يجد في هذا الغناء لغة مشتركة تُخاطب الحسّ والنَّفَس الطويل وتعرض زمنًا أبطأ للتأمل. عالميّة الترتيل لا تأتي من لغته اللاتينية فحسب، بل من نظامه المقامي (المودال) القادر على التلاقي مع مقامات الشرق وأنساق الجاز الحديثة على السواء. ولذلك رأيناه يُلهِم مؤلفين كبارًا مثل دوروفليه في قداسه الشهير، وأثره ظاهر في مسارات أوليفييه مسيّان وأرفو بارت، حيث البحث عن روحٍ خارج القفص الوزني الصارم يجد في الغريغوري سلفًا تقليديًا لحريّة معاصرة.
تعليميًا، تنشط جوقة الغريغوريان في باريس ومدرستها في تخريج منشدين وباحثين من ثقافات متعددة. المناهج تجمع بين قراءة المخطوطات، الأداء، اللاتينية، المقامات، والصلوات اليومية، لتكوين نظرة كاملة إلى النص واللحن والطقس. هذا الامتداد الدولي—من أوروبا إلى مدغشقر، من كوريا إلى أميركا—يكشف كيف تُترجم العبارة اللاتينية "كاثوليكي" إلى معناها الأصلي: كونيّ. في كل محطة، يعثر الغناء على منزلٍ جديد لأن مفاتيحه بسيطة وواضحة: مفردات لاتينية محدودة، نصوص قصيرة غالبًا، وأذن منفتحة على المعنى.
أما روح العصر فليست عائقًا أمام هذا الفن بل تُبرز راهنيته: وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني أقرت بأولويته داخل الليتورجيا الرومانية، وأديرة كثيرة أعادت ترتيب الريبرتوار ليلائم البُنى الطقسية بعد الإصلاح. في أفريقيا مثلًا، تظهر تأويلات محلية تُدرج آلاتٍ من البيئة نفسها ضمن إطارٍ يحافظ على جوهر الغناء الأحادي ويمنحه ألوانًا مكانية أصيلة. لا مالك لهذا التراث ولا قراءة وحيدة له؛ ما يبقى ثابتًا أن الروح تُعبِّر عنه وأن النص يظلّ مرجع النبرة واتجاهها.
يقدم الترتيل الغريغوري درسًا بليغًا للكتابة الموسيقية وللإصغاء الإنساني: عندما يتصدّر النص، يتحرّر الزمن؛ وعندما يتحد الصوت، تتعدد القراءات بلا تناقض. لهذا تبدو جملة واحدة ممتدة على مقطعٍ واحد قادرة على حمل صلاة، واستدعاء ذاكرة، وفتح نافذة على عالمٍ أوسع. ومن هنا يتواصل هذا الغناء: بسيطًا، أحاديًا، لكنه غنيّ بما يكفي ليجمع مصلّين ومستمعين، مؤمنين وغير مؤمنين، حول معنى يتجاوز اللغة والحدود.


